October 25, 2025
عبير المعداوي ؛ الحرية هي المفتاح السحري لحل مشاكل المجتمع العربي
د. عبير المعداوي
الازدواجية هي المرض الخطير الذي يعاني منه مجتمعنا العربي، وهي قمّة الاستعباد للأفكار المغلوطة والمشوّهة.
طالما ظلّ مبدأ «كل ما هو ممنوع مرغوب» حاضرًا، واستمرّ مبرر «إذا فُعلفي الخفاء فلا بأس»، سنبقى أمام كارثةٍ أخلاقيةٍ حقيقية؛ لأنها تصنع إنسانًا جبانًا وضعيفًا لا يقوى على المواجهة، بينما نقيضه يتحوّل إلى بلطجي وهمجي ومتحرّش، فينتج عن ذلك سلوك اجتماعي متبادل مشين.
إن الضغوط النفسية تولّد خللًا ذهنيًا يجعل الإنسان يرى لذّته في الهروب من أزماته عبر العلاقات العابرة، سواء كانت رجالية أو نسائية.
ولا يمكن إنكار أن مجتمعاتنا العربية أصبحت منفتحة خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، مع توافر وسائل التواصل التي قرّبت المسافات وجعلت الاختلاط أسهل.
لكن النتيجة كانت كوارث اجتماعية، وانهيارًا في منظومة الترابط الأسري والمجتمعي، ينبئ بانفجارٍ وشيك نعيش على مشارفه الآن.
أصبح الناس يخونون ويرتكبون الجرائم في الخفاء، وهم لا يدركون أن الخفاء لم يعد موجودًا.
أقوالهم شيء، وأفعالهم شيء آخر تمامًا، في مشهدٍ واقعيّ يمثل أسوأ صور الازدواجية المقيتة.
لقد بدأنا كشعوبٍ عربية بالتخلّص من هذا الواقع المشوّه، على يد الأدباء والمفكرين العرب والمصريين الذين مهّدوا الطريق نحو مجتمعٍ حرّ، نقيّ من الأمراض السلوكية والاجتماعية.
عشنا حتى الثمانينيات مرحلةً من الحرية والإبداع والنضوج الفكري، قبل أن تتسلّل إلينا الأفكار الدينية المتعصّبة والإرهابية، فهوت العقول، وتاهت النفوس بين وهم الحرية وسجن العقيدة المغلقة.
الحلّ الحقيقي
الحلّ اليوم هو المصارحة.
يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا كمجتمعٍ مصريٍّ وعربيّ:
إذا أردت الانفتاح المجتمعي، تحرّر من أفكارك الرجعية والمغلوطة.
الحرية لا تُجزّأ؛ إمّا أن تأخذها كلها، أو تتركها كلها.
لكن لتتمتع بها، عليك أن تُطهّر نظرتك للأشياء، وأن تغيّر أفكارك الدونية عن الآخر مهما كان مختلفًا عنك.
لقد نجحنا في فرض قانونٍ يجرّم التحرّش، لكن الأهم أن ننتصر للفكرة الأعمق: أن المرأة مثل الرجل، لها جسد له احترامه ووقاره وحريته.
إياكم أن تقودكم الشهوات الحيوانية في نظرتكم إلى الآخر.
الملبس حرية شخصية، وكل إنسان مسؤول عن نفسه.
أما تحكيم النظرة الدينية بلا وعيٍ أو فحصٍ فهو خطر كبير؛ لأنه يقودك إلى الانغلاق، وربما إلى الجريمة، فتعيش صراعًا داخليًا يخلق منك إنسانًا ذا شخصيتين.
مثال واقعي
دعوني أضرب مثالًا حيًّا:
كم من مجتمعاتٍ عاشت ثمانين عامًا في انغلاقٍ وكبت، فكانت النتيجة إرهابًا واحتقارًا للمرأة، وعبوديةً للخوف.
رغم أن بعض تلك الدول من أغنى دول العالم، فإن إنتاجها الإنساني محدود، لأنها خنقت الإبداع.
يكفي أن نتذكر قصة المرأة التي طالبت فقط بحقها في قيادة السيارة، فقادت فعلًا في الخفاء، لكن حين امتلكت الشجاعة لتطالب بحقها، اعتُقلت وقُتلت بدمٍ بارد.
بأيّ ذنبٍ قُتلت؟
فلسفة الحرية
لكل عربي لم يدرك بعدُ معنى الحرية، أقولها كما أرددها في كتبي وأعمالي دائمًا:
الله خلق الحياة بالحب، ومنحك أيها الإنسان حرية الإرادة، وإرادة الحرية.
فكيف بالله العلي العظيم يمنحك حريتك، ويضع لك شريعةً تنظم العلاقات وتحترم المجتمع، ثم تأتي أنت — أيها الإنسان — لتضع مناهج بشرية منحرفة، وتفرضها على الناس باسم الدين، حتى ابتلعها الناس وظنّوها الإسلام، والإسلام منها بريء؟
الحرية الحقيقية هي احترام حرية الناس والآخرين، وفتح الأفق لاكتساب أفكارٍ نقيةٍ خاليةٍ من تحقير الآدمية، لا تختزل الإنسان في ذكرٍ وأنثى، غنيٍ وفقير، أبيضٍ وأسود، طيّبٍ وشرير.
الحرية أن تعيش دون ضغينةٍ تجاه أحد، وأن تفعل ما تشاء ما دمت لا تهدّد أمن غيرك وسلامه.
الحرية.. طوق النجاة
الحرية الحقيقية — لا وهمها — هي طوق النجاة الوحيد لمجتمعاتنا.
فلنقفز إلى بحرها بشجاعة، دون خوفٍ أو رياءٍ أو كذب، لأنها وحدها القادرة على شفاء أرواحنا وبناء إنسانٍ عربيٍّ جديد.